العلامة الحلي

147

تذكرة الفقهاء ( ط . ج )

الذرّة في المشرق وهو بالمغرب ولا يدرك الجبل العظيم الحاضر عنده ولا مانع من رؤيته . وأيضا ذهبوا إلى انتفاء صدور المسبّبات عن أسبابها ، ونفوا العلّيّة مطلقا بين العلّة والمعلول ، فقالوا : الإنسان إذا نزل في الثلج إلى حدّ رأسه قد لا يحصل له البرد ، بل يكون حاله هناك كحاله إذا وقع في تنّور مسعّر قد اشتعل فيه الخشب العظيم مدّة أيّام ، وأن يكون حاله إذا وقع في ذلك التنّور بمنزلة ما إذا وقع في بحر الثلج بحيث يحسّ في الثلج بالحرّ المفرط وفي التنّور المسعّر بالبرد المفرط ، وإنّ الضرب ليس سببا في الألم ، بل قد يضرب الإنسان أشدّ الضرب بأقوى الآلات المؤلمة ولا يحصل له ألم ألبتّة ، بل قد يحصل له اللّذّة العظيمة التي يدركها عند مباشرته لأحسن الصّور حالة الوقاع ، وبالعكس . وهؤلاء في الحقيقة أعظم سفسطة من السوفسطائيّة ؛ لأنّ جماعة من الحكماء لمّا عجزوا عن مجادلة منكري البديهيّات من السوفسطائيّة التجأوا إلى ضربهم بالخشب وإحراقهم بالنار بحيث يدركون الألم الشديد ويفرّقون بين حالهم عند الضرب والإحراق وحالهم عند الخلوّ عنهما ، وإذا فرّقوا بين الإحساس وعدمه حصل الفرق بالعقل بين المعلوم بالضرورة وما لا يعلم بالضرورة ، وهؤلاء اعترفوا على أنفسهم بأنّه قد يحصل لهم عند الضرب العظيم والإحراق بالنيران الكثيرة ضدّ الألم ، وهو اللّذّة العظيمة ، فصاروا بهذا الاعتبار أشدّ عنادا للحقّ من السوفسطائيّة . وقالوا : إنّ المدلول لا يحصل من سببه ، وهو الدليل ، بل قد يحصل من خلافه ، أو يحصل ضدّه ، فإذا قال الإنسان : العالم متغيّر وكلّ متغيّر